رئيس التحرير / أسامه سراياالمشرف العام / خالد أبو بكرالخميس، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
اعلان اسفل الاسليدر ف الرئيسية و داخل المقال

فاتورة الطاقة والتوترات الإقليمية تدفعان الدولار لأعلى مستوى في 5 أشهر

الأربعاء، ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦
فاتورة الطاقة والتوترات الإقليمية تدفعان الدولار لأعلى مستوى في 5 أشهر
فاتورة الطاقة والتوترات الإقليمية تدفعان الدولار لأعلى مستوى في 5 أشهر

كتب: محمود الشاهد

تجاوز سعر صرف الدولار أمام الجنيه مستوى 53 جنيهًا في البنك المركزي، مسجلًا أعلى مستوى له منذ 147 يومًا، في ظل تضافر عوامل جيوسياسية وهيكلية، أبرزها تخارج جزئي لرؤوس الأموال الساخنة، وارتفاع فاتورة الطاقة وتكاليف الشحن، واتساع العجز الجاري.

صعد متوسط سعر الدولار في تعاملات اليوم الأربعاء إلى 53.04 جنيه للشراء و53.18 جنيه للبيع، بزيادة نحو 27 قرشًا، وهو أعلى مستوى منذ جلسة 20 مايو 2026، بحسب بيانات البنك المركزي.

تزامن ذلك مع صافي تخارج للأموال الساخنة اليوم بلغ 6.759 مليار جنيه، بما يعادل 127.1 مليون دولار، بحسب بيانات البورصة المصرية.

يأتي ذلك بعد أيام من صدور بيانات ميزان المدفوعات للعام المالي 2025/2026، التي أظهرت تحول الميزان الكلي إلى فائض بنحو 2.8 مليار دولار مقابل عجز 2.1 مليار دولار، بدعم من صافي تدفق للداخل في المعاملات الرأسمالية والمالية بنحو 23.2 مليار دولار.

في المقابل، اتسع العجز في المعاملات الجارية إلى 22.5 مليار دولار مقابل 15.4 مليار دولار، مع ارتفاع العجز التجاري السلعي 27.1% إلى 64.8 مليار دولار.

أسعار النفط المحرك الرئيسي لضغوط الصرف

يرى الخبير الاقتصادي، هيثم فهمي، أن أسعار النفط تظل المحرك الرئيسي لضغوط الصرف الحالية، لاسيما أن البيانات تظهر مستويات مرتفعة للواردات، منها الواردات البترولية.

بلغت مدفوعات الواردات السلعية 108.7 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، مقابل 91.2 مليار دولار في العام المالي السابق.

ارتفعت الواردات البترولية بنحو 5.4 مليار دولار، وبمعدل 27.6%، إلى 24.9 مليار دولار، مع صعود واردات الغاز الطبيعي بنحو 4.7 مليار دولار.

تكلفة النقل تتضاعف.. ومضيق هرمز يرفع علاوات المخاطر

لفت فهمي، في حديثه لـ«إيكونومي بلس»، إلى جانب لا يقل أهمية عن السعر المعلن للخام، وهو الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن والنقل والتداول للمواد البترولية، موضحًا أن تكلفة النقل تضاعفت تقريبًا، ما يضيف أعباء على منظومة الاستيراد.

عزا جانبًا من هذه الضغوط إلى تزايد مخاطر نقل الناقلات النفطية عبر مضيق هرمز نتيجة التوترات الإقليمية، ما دفع شركات الشحن إلى فرض علاوات مخاطر وإبقاء الناقلات في موانئ قريبة.

فجوة الفائدة مع الفيدرالي تضعف جاذبية العائد بالجنيه

نبه الخبير الاقتصادي إلى أن عدم تحريك أسعار الفائدة المحلية بالتوازي مع زيادات الفيدرالي الأمريكي أسهم نسبيًا في تراجع جاذبية العائد بالعملة المحلية مقارنة بالدولار.

تخارج الأجانب من الدين والبورصة وراء القفزة

فيما رجح معتز حامد، المحلل المالي بأحد البنوك الحكومية، أن تكون التحركات الأخيرة مرتبطة بثلاثة أسباب متداخلة، أبرزها استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

تابع حامد في حديثه مع "إيكونومي بلس": هذه الضغوط دفعت المؤسسات والمستثمرين الأجانب إلى تسجيل صافي بيع يفوق حجم الشراء، سواء في أدوات الدين الحكومية أو في تعاملات البورصة المصرية.

قناة السويس تضغط على السيولة الدولارية

كما لفت إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية وانعكاساتها على عوائد قناة السويس شكّلا ضغطًا إضافيًا على توافر السيولة الدولارية لدى الجهاز المصرفي والبنك المركزي.

بحسب بيانات ميزان المدفوعات، ارتفعت إيرادات رسوم عبور قناة السويس بنسبة 21.6% إلى 4.4 مليار دولار في العام المالي الماضي، مع زيادة الحمولة الصافية 22.4% وعدد السفن العابرة 9.8%.

"البنك المركزي يتعامل مع المعطيات بمرونة عبر تحريك سعر الصرف وفقًا للعرض والطلب، ومن المتوقع ألا يتجاوز السعر 55 جنيهًا خلال الشهور المقبلة وحتى العام القادم، طالما استمرت المعطيات الإقليمية"، قال حامد.

ضغوط الطاقة والتوترات الجيوسياسية تزيدان الطلب على الدولار

من جهته، أشار فرج عبد الحميد، نائب رئيس المصرف المتحد سابقًا، إلى أن التحركات الأخيرة تأتي في ظل استمرار الضغوط الإقليمية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهي من أسرع العوامل الضاغطة على الواردات.

عزا عبد الحميد في حديثه لـ«إيكونومي بلس»، ضغط الطلب على العملة الأجنبية إلى صعود فاتورة استيراد الطاقة وتسارع النزاعات الجيوسياسية التي ترفع تكلفة المخاطر الاقتصادية.

"هذه الضغوط تتزامن مع تحسن ملحوظ في مؤشرات النقد الأجنبي، إلا أن تنامي الالتزامات الخارجية خلال العام يجعل كفة الطلب والاستيراد أعلى نسبيًا"، وفق عبد الحميد.

ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 29.6% في العام المالي الماضي إلى 47.3 مليار دولار، وصعدت الإيرادات السياحية 10.3% إلى 18.4 مليار دولار.

وقد واصلت التحويلات صعودها في 2026، مسجلة نحو 4.2 مليار دولار في أغسطس بزيادة 21.7% سنويًا، و33.9 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى أغسطس بزيادة 27.2%.

فيما يتعلق بحركة سعر الدولار، توقع عبد الحميد أن تتحرك العملة الأمريكية في نطاق عرضي بين 50 و55 جنيهًا خلال الفترة المتبقية من العام، طالما بقيت الظروف الجيوسياسية وارتفاعات الطاقة قائمة.

إلا أنه أشار إلى أنه في حال حدوث انفراجة فعلية في الأوضاع الإقليمية خلال العام المقبل 2027، فإن أسعار الصرف قادرة على التراجع إلى نطاق بين 47 و50 جنيهًا.

التوترات بين الحوثيين والسعودية من أبرز المحركات الضاغطة

بينما اعتبر محمد عبد الهادي، مدير عام شركة «وثيقة» لتداول الأوراق المالية، أن كسر الدولار حاجز 53 جنيهًا يعكس قاعدة أرستها الدولة في تسعير العملة، إذ أصبح الجنيه يخضع لآلية مرنة تتفاعل لحظيًا مع المتغيرات الاقتصادية بحسب استقرار الأوضاع محليًا وعالميًا.

«التصعيد في البحر الأحمر والتوترات بين الحوثيين والسعودية من أبرز المحركات الضاغطة»، حسبما أوضح عبد الهادي لـ«إيكونومي بلس»، مشيرًا إلى أن المملكة من كبار منتجي النفط عالميًا، ما يهدد بخفض الإمدادات ورفع تكلفة استيراد الطاقة عالميًا ومحليًا على مصر.

أرجع مدير عام «وثيقة» الضغوط إلى تقارير صندوق النقد الدولي الأخيرة التي ترصد تباطؤًا في النمو العالمي والمحلي وسط تفاقم الديون وتأخر التسويات السياسية الكبرى، ومنها المفاوضات حول فتح مضيق هرمز.

أضاف أن الدولة تواجه التزامات وديونًا مستحقة في الفترة المقبلة، ما يدفعها أحيانًا إلى تدبير السيولة الدولارية من السوق، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الموسمي في أكتوبر لتغطية فاتورة استيراد السلع الأساسية.

تعكس بيانات ميزان المدفوعات جانبًا من هذا العبء، إذ ارتفعت مدفوعات دخل الاستثمار 5.2 مليار دولار إلى 23.9 مليار دولار، منها 8.1 مليار دولار فوائد مدفوعة مقابل 7.3 مليار دولار.

بيّن عبد الهادي أن احتياطي النقد الأجنبي سجل مستويات قوية، كما حققت قطاعات حيوية مثل السياحة أرقامًا ملحوظة، إلا أن أسعار النفط المرتفعة وتأثر إيرادات قناة السويس يلتهمان جزءًا كبيرًا من هذه المكتسبات.

توقع أن يبقى الدولار متحركًا في نطاق عرضي بين 51 و55 جنيهًا طالما استمرت حالة عدم الاستقرار، دون سقف حاسم للتثبيت نظرًا لطبيعة المرونة السعرية الحالية.

تخارج مؤقت للأموال الساخنة من أسواق الشرق الأوسط

اتفق مع الآراء السابقة محمد كمال، عضو مجلس إدارة شركة «إيليت» للاستشارات المالية، إذ أشار إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية والاضطرابات الملاحية في البحر الأحمر، إلى جانب الضربات العسكرية الأخيرة في المنطقة، خلق حالة من القلق لدى بعض المؤسسات الاستثمارية الأجنبية.

«هذه الضغوط دفعت جزءًا من رؤوس الأموال الساخنة للتخارج المؤقت من أسواق الشرق الأوسط، وكان السوق المصري من بينها، وهو ما انعكس على حركة وتذبذب أسعار العملة»، بحسب حديث كمال مع "إيكونومي بلس".

شرح كمال، في حديثه، أن التعامل مع دخول وخروج المستثمرين الأجانب بات يخضع لقواعد مرونة الصرف التي يتبعها البنك المركزي، إذ لم يعد مقبولًا أن يدخل المستثمر بسعر صرف معين ويخرج بسعر أضعف على حساب حصيلة الدولة.

اعتبر كمال أن تحرك السعر فوق 53 جنيهًا سلوك طبيعي ومحمود للأسواق الحرة في أوقات الأزمات، مشددًا على أن هذا التذبذب لا يدعو للقلق.

ارتفاع الدولار مرآة لاختلالات ميزان المدفوعات

أما النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، شدد على أن تجاوز الدولار 53 جنيهًا يجب قراءته في إطار نظام سعر الصرف المرن، الذي تعكس فيه تحركات العملة أوضاع العرض والطلب على النقد الأجنبي.

 يرى فؤاد في حديثه لـ«إيكونومي بلس»، أن الارتفاع مرآة لاختلالات ميزان المدفوعات، إلى جانب ضغوط ارتفاع عوائد الفائدة عالميًا وتأثيرها على حركة رؤوس الأموال وتكلفة التمويل.

تابع: "بيانات البنك المركزي تكشف ارتفاع عجز الحساب الجاري من 15.4 إلى 22.5 مليار دولار، واتساع العجز التجاري إلى 64.8 مليار دولار، منها 18.3 مليار دولار عجز بترولي، رغم تحسن تحويلات المصريين وإيرادات السياحة".

نبه فؤاد كذلك إلى أنه بصرف النظر عن التسويق الإيجابي للفائض الكلي لميزان المدفوعات، فإن هذا الرقم لا يعكس وحده حقيقة الضغوط، خاصة مع تسجيل صافي اقتراض خارجي بلغ 10.4 مليار دولار، منها 8.5 مليار دولار تسهيلات موردين قصيرة الأجل.

اعتبر أن ارتفاع الدولار ليس المشكلة في حد ذاته، وإنما انعكاس لاختلالات اقتصادية قائمة.